منتدى المستقبل

أخي الزائر الكريم

أهلاً بك في منتديات المستقبل

إذا كنت عضواً نأمل منك تسجيل الدخول

أو التفضل بالتسجيل إذا رغبت الانضمام إلى أسرة المنتدى

سنتشرّف بتواجدك معنا

إدارة المنتدى
منتدى المستقبل

منتدى اجتماعي،علمي،ثقافي،لخلق تفاعل بين الأعضاء،وتزويدهم بما هو جديد

الباقيات

المواضيع الأخيرة

» برنامج ممتاز للتصميم picmix
الإثنين 04 يوليو 2016, 12:05 pm من طرف أبوعماد

» الشباب
الأحد 20 مارس 2016, 7:08 pm من طرف أبوعماد

» ظاهرة تفوّق الإناث على الذكور في الدراسة
الخميس 06 أغسطس 2015, 10:18 am من طرف أبوعماد

» دعاء في العشر الأواخر من رمضان
الخميس 09 يوليو 2015, 8:54 am من طرف أبوعماد

» فيديو .. بوسكيتس يسخر من رونالدو أثناء الكلاسيكو ويشبهه بالأطفال
الثلاثاء 29 أكتوبر 2013, 9:10 am من طرف أبوعماد

» ميسي ونيمار ... ثنائ مرعب في مستقبل برشلونة
الثلاثاء 04 يونيو 2013, 9:36 am من طرف أبوعماد

» بالصور .. ميسي ورفاقه يطوفون شوارع برشلونة احتفالا بلقب الليجا
الثلاثاء 14 مايو 2013, 9:52 am من طرف أبوعماد

» اخوكم وعضو جديد اريد ترحيب من قلوبكم
الإثنين 14 يناير 2013, 8:58 am من طرف أبوعماد

» عيد ميلاد غاليتنا مرام ..!!!
الأحد 13 يناير 2013, 5:24 pm من طرف شيخ الشباب

مواقيت الصلاة


    تفعيل دور المعلم من منظور إسلامي لمواجهة تحديات المستقبل ج1

    شاطر
    avatar
    أبوعماد
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات : 147
    تاريخ التسجيل : 27/03/2009

    تفعيل دور المعلم من منظور إسلامي لمواجهة تحديات المستقبل ج1

    مُساهمة من طرف أبوعماد في الثلاثاء 20 ديسمبر 2011, 2:15 pm

    تفعيل دور المعلم من منظور إسلامي
    لمواجهة تحديات المستقبل
    د. بلقيس غالب الشرعي
    أستاذ أصول التربية المساعد
    كلية التربية ــ جامعة السلطان قابوس

    مقدمة :
    إن التغيرات التي يشهدها عالمنا اليوم والتي تتسارع وتيرتها وتتعدد مجالاتها تتطلب من مؤسسات الدولة المختلفة إظهار الحد الأدنى من القدرة على التأقلم والتكيف مع طبيعة التغيير وسرعته ، في مجالات الحياة وصورها المختلفة ، من تكنولوجيا واتصال وتواصل وتطور معرفي وانفجار معلوماتي وثورة رقمية،ولكي تحافظ مؤسسات الدولة على بقائها لا بد من قيامها بأداء أدوار جديدة في الوقت الذي تؤدي فيه أدوارها التقليدية الأصيلة، وهو ما يمثل تحدياً قوياً ـ على مستوى المؤسسة والفرد ـ تتنافر وتتجاذب فيه الثقافات، وتكون القيم المؤسسية والفردية معرضة للمساومة والذوبان.
    والمؤسسة التربوية ، كما هو حال بقية مؤسسات الدولة ؛ تعيش تطوراً ونمواً وتزايداً في المفاهيم والقيم والمعارف والممارسات يتطلب منها التوقف لتشخيص أوضاعها ومراجعة أدوارها بشكل مستمر وعلى فترات ليست بالبعيدة . يشير الحر ( 2001 : 17 ) إلى أن " مستقبل التربية ذو طبيعة شفافة، لأن التحديات التي تواجهها ذات طبيعة متحركة ومتغيرة ، والضغوط الخارجية والداخلية متشابكة ومعقدة ، لذلك ، فإن التوقع الذي يمكن وضعه يجب أن يأخذ في الاعتبار ملامح المستقبل العام لحياتنا ، وطبيعة التحديات التي تواجهنا".
    وبما أن المعلم يمثل أحد الأركان الرئيسة للعملية التربوية والتعليمية، فإن تفعيل دوره من منظور جديد مع المحافظة على أصالة ذلك الدور يسهم في تمكين المؤسسة التربوية من أداء رسالتها في إطار مفهوم الأصالة والمعاصرة.
    وكون المعلم يحمل رسالة الأنبياء ، وله من الأدوار ما يمكنه من صناعة العقول القيادية في المجتمعات ، فإن البحث في إعداد المعلم من منطلق يمكنه من التعامل بكفاءة مع المستجدات التي تمثل تحدياً قوياً للدور الذي يقوم به يعتبر ركيزة أساسية لنجاح العملية التربوية والتعليمية ، وتأسيساً على ذلك سوف يركز هذا البحث على تفعيل دور المعلم من منظور إسلامي معاصر.

    مشكلة البحث:
    لا يزال المعلم بحاجة إلى تجديد وتغيير في الأدوار التي يقوم بها بما ينسجم مع القيم الدينية والأهداف التربوية السامية التي تلبي احتياجات الحاضر وتخدم متطلبات المستقبل ، لذا نجد أن الجدال في وجهات النظر حول دور المعلم مسالة قائمة ومستمرة ، بين رأي يرفع من شأنه وما يقدمه من خدمة جليلة لمجتمعه ؛ ورأي آخر يقلل من تلك الأهمية وذلك الدور.
    وإيماناً بأهمية دور المعلم وقدرته على الصمود أمام التحديات نرى أنه من الأهمية بمكان إعادة الصورة الحقيقة لدور المعلم، وتأصيل ذلك الدور المبني على ربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل، وذلك من خلال محاولة الإجابة على الأسئلة التالية :
    1. ما دور المعلم من منظور إسلامي ؟
    2. ما أهم التحديات التي تواجه معلم المستقبل؟
    3. ما دور معلم المستقبل في مواجهة تلك التحديات المعاصرة؟

    أهمية البحث :
    يعد البحث عن تفعيل دور المعلم من منظور إسلامي لمواجهة تحديات المستقبل من أهم القضايا التي يتوجب على الباحثين والدارسين العرب خاصة والمسلمين عامة البحث فيها، لمحاولة الوصول إلى إجابة للتساؤلات التي تثار بين حين وآخر حول المعلم المسلم ومدى قدرته على التطور والنمو في ظل المتغيرات المتسارعة ، كونه مشدوداً بشكل أو بآخر إلى الماضي، وليست لديه مهارات التأقلم والتعامل مع متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل.
    وتكمن أهمية هذا البحث في كونه يبحث من منظور إسلامي معاصر لتفعيل دور المعلم لمواكبة حركة التطور التي تنشأ عنها فرص نمو وتحديات تتطلب التعامل معها وفقاً لرؤية تمثل الحاضر ، وتستمد قوتها من الماضي ، وتتطلع إلى تلبية متطلبات المستقبل، في ظل ثورة المعرفة التكنولوجية المعلوماتية الرقمية لما لها من أثر بالغ في تشكيل الهوية الثقافية للنشء.
    أهداف البحث:
    يهدف هذا البحث إلى مسح الأدبيات المتوفرة التي تتناول دور المعلم في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالعملية التربوية والتعليمية، كون المعلم يعتبر حجر الزاوية لأي تغيير منشود ، حيث يشير حسن ( 2002م : 9 ) إلى أن " ثورة التجديد التربوي لا يمكن أن تنجح دون أن يكون على رأسها المعلم ، فتكنولوجيا المعلومات لا تعني التقليل من أهمية المعلم ، أو الاستغناء عنه كما يتصور البعض، بل تعني في الحقيقة دوراً مختلفاً له ، ولا بد لهذا الدور أن يختلف باختلاف مهمة التربية ، من تحصيل المعرفة إلى تنمية المهارات الأساسية ، وإكساب الطالب القدرة على أن يتعلم ذاتياً ، فلم يعد المعلم هو الناقل للمعرفة والمصدر الوحيد لها ، بل الموجه المشارك لطلبته ، في رحلة تعلمهم واكتشافهم المستمر ، لقد أصبحت مهمة المعلم مزيجاً من مهام القائد ، ومدير المشروع البحثي ، والناقد والموجه"، وعلى وجه الخصوص فإن البحث يهدف إلى :
    1. التعرف على دور المعلم من منظور إسلامي معاصر .
    2. التعرف على التحديات التي تواجه معلم المستقبل.
    3. الخروج بتوصيات لتفعيل دور معلم المستقبل في مواجهة تلك التحديات.

    محاور البحث:
    لتحقيق أهداف البحث تم تقسيمه إلى المحاور التالية :
    أولاً : دور المعلم من منظور إسلامي معاصر .
    ثانياً : أهم التحديات التي تواجه معلم المستقبل الممثلة في :
    1. الثورة المعرفية والتطور التكنولوجي.
    2. تطور البحث العلمي في مجالات العلوم المختلفة.
    3. العولمة وأثرها على الهوية الثقافية.
    ثالثاً : تفعيل دور معلم المستقبل من منظور إسلامي معاصر الممثلة في :
    1. مهارات استخدام تكنولوجيا التعليم.
    2. قدرة المعلم على توظيف التفكير العلمي والإبداعي .
    3. دور المعلم كشخصية قيادية للمحافظة على الهوية الثقافية.

    منهجية البحث :
    يقوم هذا البحث على المسح التحليلي الوصفي المكتبي للرؤية الإسلامية لدور المعلم المبني على مراجعة مفاهيم المعلم و أدواره و تفسيرهما، والتي تطرقت إليهما بعض الدراسات والأبحاث السابقة بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال رؤية إسلامية لتفعيل دوره وإعداده لمواجهة التحديات المستقبلية.

    أولا ً: دور المعلم من منظور إسلامي معاصر :
    للمعلم مكانة وشأن خاصين في الماضي والحاضر، وتزداد تلك المكانة وذلك والشأن في المستقبل، حينما تتعقد شؤون الحياة البشرية وتتداخل وظائفها ، وذلك من أجل إيجاد الإنسان الصالح النافع لنفسه ومجتمعه ، يقول فرحان (1991م : 12): لما انتصرت ألمانيا في الحرب السبعينية قال قائل : "لقد أنتصر معلم المدرسة الألمانية "، وقال قائل لما انهزمت فرنسا في الحرب العالمية الثانية : " إن التربية الفرنسية متخلفة " ، وقال قائل أمريكي لما غزا الروس الفضاء بإطلاقهم القمر الصناعي الأول ( سبوتنيك ) : " ماذا دهى نظامنا التربوي والتعليمي ؟ " ، فرجعوا إليه ينقحونه و يطورونه ليعد لهم العلماء الذين يصنعون المستقبل "، أليس ذلك يستدعي منا كمسلمين أن نقف وقفات جادة ، ونسأل أنفسنا ماذا دهى نظامنا التربوي والتعليمي؟ وهل الرؤية الإسلامية لدور معلم المستقبل واضحة أم لا ؟
    من هذا المنطلق نسعى إلى محاولة تأصيل دور المعلم و فاعليته التربوية من خلال منظور إسلامي يحتكم إلى فكر إسلامي، مبني على القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والتراث الإسلامي، ويتماشى مع متطلبات العصر وتطلعات المستقبل.
    ينظر الإسلام باهتمام بالغ إلى المعلم، ودوره، والرسالة التي يحملها، وبتفضيل من الله سبحانه وتعالى في أكثر من موضع في كتابه العزيز يؤكد دور العلم والعلماء، قال تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " فاطر: 28، واستدعت حكمة الله العليم الخبير ، في تنزيل أول آياته في القرآن الكريم عن العلم والمعرفة" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " العلق : 1-5 ، فمعاني هذه الآيات ليست حرفية أو مجردة، وإنما كل مدلولاتها تدعو الإنسان إلى تحريك كوامن العلم والمعرفة لديه، واستخدام الأساليب والأدوات التي تجعل منه إنساناً مميزاً عن سائر المخلوقات، بخروجه من ظلمات الجهل إلى طريق النور والمعرفة، بداية من معرفته وعلمه بخالقه إلى أن يوظف تلك المعرفة والعلم في خدمـة الإنسانية وتطويرها، لقولـه تعالى : " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ" الرحمن (33).
    ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول معلمٍ ومربٍ لنقل هذه الرسالة للأمة الإسلامية ، وبه يقتدي كل معلم باحث للمعرفة والعلم من أجل تربية الأجيال، وتنظيم شؤون حياتهم، وميادين علومهم المختلفة، قال تعالى:
    " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ " الجمعة (2) ، وأيضاً قال تعالى : " كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ " البقرة (151). يشير محمود (1994: 34) إلى أن " التربية الإسلامية راعت ذلك منذ اللحظات الأولى لبزوغ فجر الإسلام ، فالمعلم الأول للمعلمين المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم لم يهتم بالجانب العقلي للمتعلم فقط، ولم يكن همه صلى الله عليه وسلم ينصب على النمو المعرفي له دون غيره؛ بل كان عليه الصلاة والسلام والداً معلماً ومرشداً وموجهاً وقائداً في التغيير الاجتماعي، وكذلك كان أصحابه رضوان الله عليهم فكل منهم كان ذا مسئوليات متعددة تنبع من إيمانه بالرسالة التي يلتزم بأدائها ".
    من هذا المنطلق تحددت شخصية الإنسان المسلم، وحددت أهدافه في المشاركة في بناء مجتمع مسلم خيِّر وحضارة إنسانية خيِّرة، ولهذا يقول تعالى : " كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ " آل عمران (79) .
    وقال الغزالي (1996: 63) في هذا الشأن : " فمن علم وعمل فهو الذي يدعى عظيماً في ملكوت السماوات، فإنه كالشمس تضئ لغيرها، وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب " ، فالاشتغال بالتعليم والتربية أمر عظيم وخطير، فمن اختاره الله له فقد وضع في عنقه أمانة عظيمة، وقلده أمراً خطيراً، ورث مهمة الأنبياء والصالحين".
    ومن خلال ذلك الفكر التربوي للتصور الإسلامي لدور المعلم، ومدى أهمية الدور وانعكاسه على ترسيخ المبادئ التربوية، وانطلاقاً من مسئولية المعلم كونه يمثل ركناً أساسياً من أركان العملية التربوية، فإنه ينبغي على متخذي القرار في المجتمع إعطاء أولوية للاعتراف بهذا الدور، ممثلاً في إعداده وتدريبه ورفع كفاءته الشخصية وقدراته العلمية، إيماناً منهم بأن رسالته لا تقل أهمية عن رسالة الأنبياء .
    ويؤكد ذلك شمس الدين (80،79:1984) فيشير إلى أن أبن خلدون " أفترض أن التعليم صناعة، نجاحها وفشلها مرتبطان بالقائمين بها، وأن المعلمين هم سند هذه الصناعة، لذا لا بد من أن تتوافر فيهم شروط وآداب وقوانين، ويستشهد ابن خلدون ببعض الذين ارتحلوا ممن يعرفهم لطلب العلم على المشاهير، فقد رجع بعضهم بعلم وفير ومفيد وبتعلم حسن، ويعود الفضل لمن حذق منهم لتوافر معلمين ملمين مبرزين بصناعة التعليم، وهكذا فإن توافر المعلم القادر والحاذق ضرورة أولى في عملية التعليم".
    كما يشير الصاوي (1999 : 94) إلى أن الغزالي قد حرص على " أن يبين أن التمسك بالمبادئ، والعمل على تحقيقها، يجب أن يكون من صفات المعلم المثالي، فنصح المعلم بألا ينادي بمبدأ ويأتي بفعل يناقض هذا المبدأ، ولا يرتضي المعلم لنفسه من أعمال ينهى عنها تلاميذه، وإلا فإن المعلم سوف يفقد هيبته، ويصبح مثاراً للسخرية والاحتقار، فيفقد بذلك قدرته على قيادة تلاميذه ، ويصبح عاجزاً عن توجيههم وإرشادهم"، ويقول الغزالي " مثل الرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين ، والظل من العود ، فكيف ينقش الطين بما لا نقش فيه ، ومتى يستوي الظل والعود أعوج ؟."
    فإذا ما استوعب المعلم دوره بهذا الشكل تكمن مكانته في المجتمع وتُحدد الكيفية التي يمكن تطوير الرسالة التي يؤديها في ضوء المستجدات من العلم والمعارف، وترك العلم أو الاستزادة منه بحجة انتهاء المرحلة التعليمية والغوص في الحياة العملية ، بل بالعكس لا يكون معلماً معطياً ومجدداً ما لم يكن معلماً مستمراً للإطلاع والدراسة، يقول الغزالي (67:1996) إنه ينبغي
    ( للعالم أن لا يغفل عن العلم والاستذكار والاستحضار فيبقى مجتهداً مشتغلاً بالعلم قراءة وإقراءً، ومطالعة وتعليقاً، ومباحثه وتحقيقاً وتصنيفاً، ولا يألو جهداً في المزيد من المعلومات والتعمق في العلوم، فقد قال ابن عون: ثلاث أحبهن لي ولإخواني: هذا القرآن يتدبره الرجل ويتفكر فيه فيوشك أن يقع على علم لم يكن يعلمه، وهذه السنة يتطلبها ويسأل عنها، ويذر الناس إلا من خير ) .
    من ذلك نخلص إلى أن المفاهيم التربوية الإسلامية تعزز من شأن المعلم وقدراته العلمية، وتحثه على الاستزادة من العلم والتعليم ، إن الأمر ليس فقط أداءاً في الأسلوب بقدر ما هو إيمان منهجي واتجاه إيجابي في فكر المعلم ، فالآيات البليغة التي تشير إلى أهمية العلم والعلماء والتزود بالعلم ترفع من مكانته، يقول تعالى : " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " المجادلة (11)
    لذا يقول القاضي (278:2002): إن الماوردي طالب المتعلمين بالتبكير في طلب العلم والاستمرار في طلبه، وكان أكثر تأكيداً على المعلمين بذلك ، فكما قيل في منثور الحكم ،إذا علمت وكنت ذا علم فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن أنظر إلى من فوقك من العلماء،حتى لا تقنع بما حصلت عليه من العلم وتكتفي، بل تستمر في طلب المزيد منه،وتزود المعلم بالعلم الذي يثري فكره، ويعلي قدره بين أقرانه وطلابه، ويشبع حاجات طلابه العلمية منه، بل و يوفر بيئة صالحة لميلاد علم جديد.
    يؤكد قمبر وآخرون (1999: 343) " أن تاريخ العلم أو تاريخ الحضارة أو تاريخ البشرية أو الأنسنة أو الإنسية هو تاريخ المعلم نشوءاً وارتقاءً، وشراح الحضارات ودارسوا الثقافة الإنسانية يجدون في طريق إعداد المعلم نتاجاً لتقويم الحضارة وفلسفة الثقافة من عصور السحر والكهنة إلى عصور الذرة والتلفزيون وغزو الفضاء ".
    يقول شمس الدين (90،89:1984): إن أبن خلدون أدرك أن الفكر الإنساني ينمو ويتطور تدريجياً ويتأثر بما يكتسبه من معلومات ومهارات، وما يعرض له من خبرات ، هذه جميعها تتحكم كماً وكيفاً في سلامة هذا النمو وإنجاحه سلباً وإيجاباً، لذا لزم أن تراعى في المتعلم تلك الطبيعة التي تتهيأ وتزداد استعداداً للفهم والقبول بالتدريج، وكلما أكتسب فناً جديداً أو علماً جديداً يزيدها استعداداً لتقبل فنون وعلوم أخرى، ومن هنا تكمن أهمية المنهجية التعليمية التربوية التي قدمها ابن خلدون للمعلم ودوره في اكتساب المهارة وتربية الملكة، إذاً هو شيء لا يكون موجوداً يصبح موجوداً بالاكتساب، ويبدأ عن طريق الحواس، أي من المحسوسات ويترقى إلى الفكر.
    ودعوة ابن خلدون هي دعوة للمعلم للإبداع والابتعاد عن التقليد عن طريق تنمية الفكر واكتساب المهارات، لذا نجد قمبر وآخرون (346،344:1999) يشيرون إلى أن الإمام محمد عبده " في فكره وأسلوب تعليمية يرفض عملية التقليد والتلقين التي من شأنها أن تنشئ جيلاً من المقلدين الذين لا يتوقون إلى الاستقلال في الرأي، أو إلى تحكيم العقل والمنطق، ويرفض إلقاء المعلم ما يعرفه أو ما لا يعرفه بدون أن يراعي المتعلم ودرجة استعداده للفهم، وهو يقول : ( بأن الفكر إنما يكون فكراً له وجود صحيح إذا كان مطلقاً مستقلاً يجري في مجراه الطبيعي الذي وصفه الله تعالى إلى أن يصل إلى غايته) فذهب إلى تدريب الطلاب على تحكيم العقل السليم والقياس على المنطق، غير أنه لا يدع العقل وحده، بل تسليمه بنصيب الشرع من الهداية في أمور الحياة الدنيا، فالعقل الخير هو الذي يعلم ويزداد علماً، ويعلمَ الناس ويزيدهم تعليماً، ويرقي الوطن ويزيده رقياً، والعقل الخير هو الذي يتلقى العلو ويصيغه مهما كان مصدره ، وعليه أن يسهم في إعادة بناء حضارة كانت لنا هادية للبشر ."
    لاشك أن هذا التصور الفكري لاكتساب العلوم والمعارف يعمل على تزويد المعلم والمتعلم بمهارات كبيرة في تطوير القدرات الذاتية الإبتكارية والإبداعية، فالإنسان يولد على الفطرة، فعن طريق خبراته وتجاربه المحسوسة وغير المحسوسة يستطيع أن ينمي ملكاته العقلية وتفكيره العلمي السليم .
    قال تعالى: " وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " النحل (78)
    خلاصةً القول أن المنظور الإسلامي لدور المعلم يؤكد على ضرورة توفر صفات سلوكية ومعرفية وعلمية في شخصية المعلم ليتمكن من تأدية الأدوار التالية :
    1. دور حامل الرسالة الربانية المتصف بصفات إيمانية وأخلاقية وتربوية تتجسد في سلوكه وأفعاله .
    2. دور المرشد والموجه والقائد في عملية التغيير الاجتماعي .
    3. دور المهتم بالجانب العقلي والمعرفي في آن واحد .
    4. دور الباحث والموظف للمعرفة والعلم في خدمة الإنسانية وتطويرها .

    ثانيا ً : أهم التحديات التي تواجه معلم المستقبل
    1. الثورة المعرفية والتطور التكنولوجي :
    يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية (2003: 5) إلى " عدم وجود نظم فعالة للإبتكار ولإنتاج المعرفة في البلدان العربية، وغياب سياسات رشيدة تضمن تأصيل القيم والأطر المؤسسية الداعمة لمجتمع المعرفة، وقد عمق هذه المشكلة الاعتقاد الخاطئ بإمكانية بناء مجتمع المعرفة من خلال استيراد نتائج العلم دون الاستثمار في إنتاج المعرفة محلياً، والركون في تكوين الكوادر العلمية على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمة معرفياً، دون خلق التقاليد العلمية المؤدية لاكتساب المعرفة محلياً ."
    أي أن التطور السريع للمعرفة والتكنولوجيا نتج عنهما تضارب فجوة معرفية وتكنولوجية بين المنتج والمتلقي .ذلك بما تتصف به مجريات العالم اليوم وأحداثه من نقلة نوعية وسريعة في مصادر الحصول على المعرفة، مما شكل تحدياً كبيراً للعالم والدول النامية على وجه الخصوص، لما تعانيه من عجز في الإمكانات المادية، ولاشك أن ذلك انعكس بشكلٍ أو بآخر على العملية التعليمية وكيفية اكتساب المعرفة من مصادرها المختلفة وتقنياتها المتعددة، التي تحتاج إلى نظرة مستقبلية لتطوير مجالات التقنية العلمية والبحثية، لمواكبة التطورات السريعة في العالم.
    في ظل هذا الجو من التراكم المعرفي والتكنولوجي بدأت الدعوة إلى ضرورة إعادة النظر في العملية التعليمية، سواء كان ذلك عبر الندوات أو اللقاءات أو عبر الكتابات المتخصصة، فنجد على سبيل المثال مدكور (10:2000) يشير إلى أننا " نحتاج إلى تعليم يؤدي إلى تنوع البشر وتمايزهم ومقدرتهم على تلقي المعلومات وحسن استخدامها في التفكير والتعبير والاتصال والإنتاج وبناء العلاقات، وقبل كل شيء نحتاج إلى عقيدة الإيمان بالله، والأخوة في الله، والأخوة في الإنسانية، وترسيخ قيم العلم والحرية، والوحدة، والإحسان في العمل، وإقامة مشاعر العدل والسلام في عقول البشر، نريد تعليماً يبني قناعات التغيير من الجمود إلى المرونة، ومن التمركز الجغرافي إلى الانتشار، ومن الاعتماد على الحكومات إلى الاعتماد على الذات والمؤسسات."
    ويتمثل دور المعلم لمواجهة هذا التحدي بالتركيز على تشجيع وتطوير التعلم الذاتي وإعادة النظر في آليات بناء إنتاجية المعرفة والتركيز على تطويرها وتفعيلها بالطرق السليمة، وعليه كذلك أن يتولى الاهتمام بالوسائل والطرق المختلفة لمواكبة المستجدات في الثورة المعرفية والتطور التكنولوجي.
    ولكي يتحقق ذلك لابد من إعداد الأجيال للقيام بهذا الدور، والمعلم الكفؤ هو القادر على القيام بهذه المهمة، يقول داوود (65:2002): إننا بحاجة إلى إيجاد الإنسان " الذي ( تعلم كيف يتعلم ) أي الإنسان الذي يفرز ويبوب ويحذف ويضيف إلى السيل المتدفق من المعرفة حتى تتم عملية قبوله أو رفضه للتغيير بصورة سوية تمكنه من النمو دون اعوجاج ومن التطور دون ضياع".
    على الرغم من التقدم العلمي والثورة المعرفية والتكنولوجية، التي كان من المفترض في الأعم أن توظف لتطور حياة الإنسان وتقدمه وتغير أنماط حياته وأسلوب معيشته وطريقة تفكيره، إلا أن استخدامها بشكل غير سليم وكذا نظرة الإنسان لها بمنظار النفعية والمادية وتخليه عن كثير من القيم الأخلاقية الإنسانية، وتبنيه المعرفة الهدامة المفسدة لأخلاق الناس، والمهدرة لكرامة الإنسان المبثوثة عبر المرئيات الفضائية نتج عنها سوء علاقات بين الناس والمجتمعات، والهيمنة الاقتصادية، واحتكار الثروات الطبيعية التي أدت إلى انتشار الفقر والظلم والفساد بين الناس والشعوب، كل ذلك يمثل تحدياً أمام القيادات التربوية من أجل إعداد كفاءات مدربة ومؤهلة لكي تستطيع أن تعيد الثقة بأهمية استخدام الجانب المعرفي والتكنولوجي وتطويرهما وتوظيفهما في تعزيز القيم الإيجابية البناءة وغرسها في حياة الإنسان.
    إن ما نشهده اليوم من ثورة تكنولوجية وسرعة في التغيير المعرفي له من التأثير البالغ على أسلوب ونمط تفكيرنا في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية والاقتصادية، ومهمة العملية التعليمية التربوية وفي ظل هذه المتغيرات ليس بالأمر الهين، حيث يترتب عليها تغيير في الأهداف، كما تتطلب خبرات وأساليب جديدة تعتمد على الإبداع والابتكار، في ظل المتغيرات ووفق الثوابت القيمية .
    يشير التل وآخرون (668:1993) إلى أن" معلم اليوم يعيش في وسط اجتماعي دائب التغير، وتغيره ماثل أمام كل عين ، وهو اليوم أشد سرعة مما كان عليه في الماضي ... فالمعارف والمعلومات والعلوم والمكتشفات تتزايد وتتعاظم كماً ونوعاً بصورة مذهلة، حيث شكلت أكبر التحديات لعمل المؤسسات الاجتماعية والتربوية التقليدية، وجعلتها تشعر بالعجز عن مواكبة سرعة التقدم وما ينتج عنه من تحديات، وخاصة إذا ما استمرت هذه المؤسسات بالتعامل مع التحديات بالأساليب التقليدية التي دأبت على ممارستها في التعاطي مع المتغيرات".
    كما أن مدكور يشير (282:2003) إلى" أن التقدم الهائل في حقول المعرفة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بقدر ما هو عون نوعي لتقدم الإنسانية وإغناء للمعرفة البشرية، إلا أنه يشكل في الوقت نفسه خطراً متزايداً على المجتمعات المتلقية، ومنها المجتمعات العربية، فهو يؤدي في المقام الأول إلى عملية إحلال الثقافات الأخرى على مستوى القواعد الجماهيرية، ابتداء من العادات والممارسات والسلوك اليومي، إلى سلم القيم ونمط الحياة، مما يغير شخصية تلك المجتمعات، بإعادة صياغتها على نمط كوني معين، هدفه في نهاية الأمر سياسي واقتصادي".
    ويأتي دور المعلم في هذا الشأن ابتداءً باستيعاب تطورات ثورة المعلومات وتطبيق أساليب التكنولوجيا والتفكير الإيجابي لبناء العقل الذي يستوعب مستحدثات العصر، وتوظيف تكنولوجيا الحوار والمناقشات والتعاون والاتصال المباشر بين زملاء المهنة عبر شبكة الاتصال لتنمية قدرات ومهارات المتعلمين .
    هذا ما يؤكد عليه جروان (12:1999) عندما تناول دور المربين حيث قال : "إن عصر التغيرات المتسارعة يفرض على المربين التعامل مع التربية والتعليم كعملية لا يحدها زمان أو مكان، وتستمر مع الإنسان كحاجة وضرورة لتسهيل تكيفه مع المستجدات في بيئته، ومن هنا تكتسب شعارات "تعليم الطالب كيف يتعلم " "وتعليم الطالب كيف يفكر " أهمية خاصة لأنها تحمل مدلولات مستقبلية في غاية الأهمية،إن التكيف مع المستجدات يستدعي تعلم مهارات جديدة واستخدام المعرفة في مواقف جديدة".
    إن قيمة التكنولوجيا وتقنياتها المختلفة من تعدد في مواقع الإنترنت، وبرامج التشغيل الرقمية والصوتية والمرئية، تكمن في مدى قدرة الدول العربية والدول الإسلامية على توظيف معلميها وتأهيلهم في مختلف المجالات العلمية والإنسانية، لتكون أداة فاعلة في بناء الحوار الحضاري والإنساني القائم على الإيمان بمبدأ وجود الإنسان المادي والمعنوي .
    2. تطور البحث العلمي في مجالات العلوم المختلفة :
    تشكل العلوم والمعارف جزءاً أساسياً في تطور الشعوب وسرعة تقدمها العلمي والفكري، وبناءً على ذلك تولي الدول والشعوب الواعية أهمية كبيرة للبحث العلمي وسبل تطويره، حيث به تستطيع أن تمتلك العلم والمعرفة، وعن طريقه تمتلك القوة، وتوظف كل ذلك لخدمة الإنسان، وهو الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً للباحثين والعلماء والتربويين الذين يسعون إلى تنشئة الأجيال بما يواكب تطلعات العصر وطموح المستقبل .
    إن ما يزيد الأمر تعقيداً هو اتساع الفجوة في البحث العلمي بين العالم العربي وبقية الدول، حيث يشير حوات (2002: 146،148) إلى أن الإحصاءات في مجال البحث العلمي تشير" إلى أن العرب يشكلون حوالي (6. 4%) من سكان العالم في منتصف التسعينات، وأن نصيبهم من الإنفاق على البحث العلمي بلغ عام 1994م (4. 0%)، أي أقل من عُشر نصيبهم من سكان العالم، كما تعتبر المجلات المحكمة معياراً على الإنتاج العلمي، وخاصة في المقارنات الدولية، ووفقا ً لدليل النشر العلمي يتدنى نصيب الدول العربية من النشر العلمي في عام 1995م إلى أقل من سدس نصيبهم من سكان العالم".
    أما فيما يتعلق بعدد النشرات العلمية فيشير عبيد(44،43:2001) "إلى أنه بإلقاء نظرة مقارنة على بعض الإحصاءات، المتعلقة بالتعليم والبحث والتطوير التقني في تقرير التنمية البشرية لعام 1999م، والتقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1999م، وغيرها من الإحصاءات، نجد الفجوة الهائلة التي مازالت تفصل العالم العربي عن العالم المتقدم، على الرغم من ازدياد الوعي بهذه التطورات وبعض المحاولات لبلوغها، كما تظهر الإحصائيات العالمية مدى الهوة في عدد النشرات العلمية، فعلى سبيل المثال، بلغ عدد النشرات العلمية لكل مليون مواطن في الولايات المتحدة الأمريكية (1020) نشرة، و(450) نشرة في فرنسا و(18) نشرة في البرازيل، و(16) نشرة في الهند، و(15) نشرة في العالم العربي كله . . كما تمثل ميزانية البحث العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية (3.2%) من الناتج القومي، وفي أوربا (2.5%)، وفي كوريا الجنوبية (1.91%)، بينما في الدول العربية تتراوح بين الصفر و(0.5%) من الناتج القومي الإجمالي".
    أما فيما يتعلق بمجال البحث العلمي فيشير تقرير التنمية الإنسانية العربية (2003: 4) إلى أنه " بالإضافة إلى شح الإنتاج فيه، يشكو البحث العلمي في البلدان العربية من ضعف في مجالات البحث الأساسية، وغياب في الحقول المتقدمة، مثل تقانة المعلومات والبيلوجيا الجزئية، ويعاني البحث العلمي في البلدان العربية من انخفاض الإنفاق عليه، " إذ أن إنفاق الدولة في الوقت الراهن على البحث والتطوير لا يتجاوز أثنين بالمائة من إجمالي الدخل المحلي، ويدفع أغلبيته كرواتب".
    وبما أن البحث العلمي يعنى بدراسة الظواهر والمشكلات في شتى مجالات الحياة، وتقديم الحلول وأساليب الحياة الإنسانية لها، وبما أن إنسان اليوم يتطلع إلى ما يقدمه العلم من خيارات من منطلق الإيمان بأهميته في دفع مسيرة التقدم والتطور، محاولا التمييز بين العلم النافع والعلم الضار، وكيف يمكن أن يشكل ذلك تحدياً كبيراً في صياغة تفكيره، الأمر الذي يتطلب منه التوقف إزاء نوعية العلم والمعارف وتقييمها.
    يؤكد ذلك النجار(160:1990) حين يقول : " لا شك أن العلم النافع هو كل معرفة تزيد الإنسان صلة بالله، وتمكنه من القيام بواجبات خلافته في الأرض، وعمران الحياة فيها وإقامة العدل الإلهي بين الناس، فالعلم في الإسلام مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق، فتسخير العلم من صنع القنابل الذرية والنووية والجرثومية وغيرها من أسلحة الدمار اللاأخلاقية ليست من العلم النافع ، وأجهزة التجسس والتصنت لكشف عورات الناس والمجتمعات لا تدخل في إطار العلم النافع، فالعلم في الإسلام مرتبط بالعمل الصالح، فهو ليس ترفاً ذهنياً معزولاً عن الحياة ومشاكلها، لأن ذلك يخرجه عن إطار النافع".
    حمل هذا المفهوم اركون (153:1988) حين قال : " إن الإسلام ينظر إلى البحث العلمي والتفكر كواجب على المسلم القيام به ،فالقرآن يحث المؤمنين بإلحاح على "النظر" في العوالم المخلوقة من أجل أن يقيسوا مدى عظمة الله وجبروته، فالمعرفة العلمية بالطبيعة والكواكب والسماوات والأرض والحيوان والنبات لا تفعل إلا أن تزيد من إيمان المسلم وتقويته، كما أنها تضيء له الإشارات الرمزية والعلامات الواردة في القرآن".
    وفي ظل غياب استراتيجية بحثية للدول العربية خاصة والإسلامية عامة سيظل البحث العلمي وتطوره يمثل تحدياً قوياً وعقبة كأداء أمام تطور مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة التربوية، والتي يمثل المعلم أحد أركانها الأساسية، يوضح محمد (1997: 102،103) أنه في إحدى الدراسات يشير صاحبها إلى "أن أي مهتم بالشؤون العربية في وقتنا الراهن لا يستطيع أن يتجاوز الإحساس بالقلق ومحدودية التفاؤل وهو يرى شعوب الدنيا من حوله تتسابق إلى استخدام عقولها وتسخير البحث العلمي لاستشراف المستقبل والإعداد له، بينما يعاني البحث العلمي في الوطن العربي من الضعف النسبي مقارنة بما هو قائم في الدول المتقدمة وبعض الدول النامية .. وهو ما يشكل غياب إستراتيجية بحثية على المستوى القومي تتحرك داخلها مؤسسات البحث التربوي المختلفة، مما أدى إلى الاهتمام فقط بالمشكلات الآنية التي يعاني منها النظام التعليمي ولم تتخطها إلى المشكلات المحتملة، والتي سوف تفرضها بالضرورة التطورات المستقبلية".
    إن توافر البيئة المناسبة لتطور البحث العلمي هي الخطوة الأولى نحو الخروج من هذه الدائرة المغلقة، كما يشكل العلم العنصر الحيوي والمحرك للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، كما أن تجاهل التطور العلمي والبحث يكون عاملاً محبطاً للمجتمعات، وعلى هذا الأساس لابد أن تكون هناك آليات معينة للتعامل مع العلم والعلماء وتقدير ما ينتج من أبحاث ودراسات علمية في شتى مجالات الحياة، من اقتصاد وثقافة واجتماع وتقنيات حديثة، فضلاً عن توظيف العلم في تحفيز الكوامن الإبداعية والعقلية التي تمثل فريق العمل الواحد.
    يؤكد ذلك ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية (2003: 4) من أن البحث العلمي في الوطن العربي يعاني أيضاً من " غياب الدعم المؤسسي له، وعدم توافر البيئة المواتية لتنمية العلم وتشجيعه، إضافة إلى انخفاض أعداد المؤهلين للعمل فيه، فلا يزيد عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير في البلدان العربية عن (371) لكل مليون من السكان، وهو أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ (979) لكل مليون من السكان ".
    أما عبد الدائم (105:1998) فأوضح أن: " التغيرات الكبرى في عالم العلم والمعرفة والثقافة، تملي على التربية في شتى بلدان العالم، ولاسيما في بلدان العالم الثالث نقلة نوعية في مناهجها وفي طرائقها وفي فروعها وتخصصاتها، وتفرض بوجه خاص بناء نظام تربوي مرن، متنوع المسارات، متكاثر التخصصات، مرتبط بحاجات البحث العلمي، فضلا ًعن ارتباطه بحاجات سوق العمل المتجددة".


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017, 12:52 pm